القاضي التنوخي

13

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

ينفرد عنه ، وورد بالكتاب ، خادم كبير من خدم السلطان . فأنفذ الرخّجيّ إلى القاضي ، فأعلمه ، وقال : يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر . فقال القاضي : ولكن تصير أنت إلى الجامع ، فنجتمع فيه ، وتردّد الكلام بينهما ، إلى أن قال الرخّجيّ للخادم : ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين ، واذكر القصّة ، وإنّ قاضيه يريد إيقاف ما أمر به . وبلغه الخبر ، فركب محمد بن منصور ، إلى الديوان ، ومعه شهوده ، فدخله ، والرخجيّ فيه في دست ، وكتّابه بين يديه ، فلما بصروا به ، قاموا إليه ، إلَّا الرخّجيّ . فعدل القاضي عن موضعه في الديوان ، فجلس في آخر البساط ، بعد أن أمر غلامه ، فطوى البساط ، وجلس على البارية « 1 » ، وحفّ شهوده به ، وجاء الخادم ، فجلس عند القاضي ، وأوقفه على الكتاب . ولم يزل الرخّجيّ ، يخاطب « 2 » القاضي ، وبينهما مسافة ، حتى فرغوا من الأمر . فلما فرغوا ، قال الرخّجيّ ، للقاضي : يا أبا جعفر ، ما هذه الجبريّة « 3 » ؟ لا تزال تتولَّع بي ، وتتحكَّك بمنافرتي ومضاهاتي ، وتقدّر أنّك عند الخليفة - أطال اللَّه بقاءه - مثلي ، ومحلَّك يوازي محلَّي . قال : وأسرف في هذا الجنس من الفنّ ، وحمي في الخطاب ، والقاضي ساكت . إلى أن قال الرخّجيّ ، في جملة الكلام : والخليفة - أعزّ اللَّه نصره -

--> « 1 » البارية : الحصير المصنوع من القصب ، ولم يزل هذا اسمها في بغداد . « 2 » في الأصل : يطالب . « 3 » الجبرية : الكبرياء .